الكتب

الأحَد , ١٠ جمادي الثاني , ١٤٤٢

شجرة الأسرة

| | | : 2166 | : 1436/7/3 |

السيد محمد صادق ابن السيد حسن ابن السيد ابراهيم ابن السيد حسين ابن السيد رضا ابن السيد بحر العلوم
(1315 - ...)

ولد يوم 8 ذي القعدة 1315 هـ، ونشأ في ظلال أعلام أسرته. ودرس علي يد نخبة مصطفاة من العلماء، منهم عمّنا العلّامة السيد محسن بن السيد حسين القزويني المتوفي سنة 1356 هـ والسيد مهدي بن السيد محسن بحر العلوم، والميرزا فتّاح التبريزي، والسيد محمود الشاهرودي وغيرهم. ثم حضر بحوث الخارج علي يد الشيخ النائيني، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، كما حضر دروس التفسير عند الشيخ محمد جواد البلاغي.

وكان قد لازم ثلّة من الأعلام، وصاحبهم، واستفاد منهم أمثال الميرزا علي أغا الشيرازي، والشيخ محمد علي الأوردوبادي والشيخ عبد الحسين الأميني، والسيد علي نقي النقوي، واختص بالمؤرّخ الشاعر الشيخ محمد السماوي، وتأثّر بمنهجه في الجمع والتحقيق والتأليف.

وفي سنة 1353 هـ / 1934 م قام بجولة الي لبنان، وبقي عامين كاملين صاحبَ علماء جبل عامل ولازمهم، كما اختصّوا به واستفادوا منه.

ونظراً لكفاءته وعلمه الغزير فقد عُرضَ عليه منصب القضاء، فتولّاهُ سنة 1367 هـ / 1948 م بأمر من بعض مراجع النجف، وعُيّنَ قاضياً في مدينة العمارة، ثم البصرة، لكنّه لم يكمل مشواره في القضاء، فخرج عن ربقة الوظيفة قبل استيفائه سنوات العمل.

والسيد محمد صادق من مشايخ الرواية والحديث، وله ثبتٌ بالأسانيد والرواية عن كبار المشايخ. ومن أظهر مشايخه: السيد محسن الأمين، وأبو تراب الخونساري والميرزا النائيني والسيد حسن الصدر والشيخ أسد الله الزنجاني والميرزا هادي الخراساني والميرزا محمد الطهراني والشيخ أغا بزرك الطهراني، والسيد جعفر بحر العلوم، ونجم الحسن اللكنهوي صاحب مدرسة الواعظين في الهند، والشيخ حبيب آل ابراهيم، والسيد شهاب الدين المرعشي النجفي والشيخ عباس القمي والسيد رضا الهندي والشيخ محمد السماوي.

عاش السيد بحر العلوم حياةً مليئة بشظف العيش والفاقة والحرمان، لكنّها لم تُثنهِ في تحقيق رغباته العلمية في التأليف والكتابة ونسخ الكتب الخطية وتخليدها.

فقد كان طوال سنوات حياته محاطاً بالمحابر والأقلام والكتابة علي الطريقة القديمة باستعمال الكتابة بأقلام القصب، وتحضير المحابر التي يصنعها بنفسه، قبل أن تنتشر الأقلام الحديثة التي عرفها جيلنا فيما بعد.

وقد نسخ مؤلفاته الأولي علي الطريقة القديمة، وكتبها بخطه الجميل المتميز بتأنٍّ وتوأدة وتثبّت. وله في هذا المجال ما يقرب من أربعمائة كتاب مخطوط كان قد نسخها، وجلّدها بنفسه بعدما تعلّم هذا الحفن من شيخه محمد السماوي والذي كان هو الآخر مسكوناً برهبة الكتب واقتنائها.

وقد لازمتُه في السنوات الأخيرة من حياته، واستفدتُ من مجاميعه ومخطوطاته وكتبه القيّمة. وكان يومذاك قد أناف علي الثمانين من عمره، ولم يعرف طريقاً يأنسُ به سوي ما يقوم به من نسخ الرسائل الخطيّة وقصائد الشعراء وما يقع بين يديه من المتفرّقات ليكوّن منها مجاميعه، التي هي أشبه ما تكون بالكشكول الذي يحتوي علي كلّ ما لذّ وطاب من الفوائد والفرائد والشوارد التي لا يجدها القارئ إلّا عنده.

وكنتُ عندما أقصدهُ، يقول لي: لا تأتِ إليَّ إلّا وبيدك تلك "العناتيك"، مفردها عنتيكة، ويقصد بها الرسائل والنوادر الخطية والملتقطات. وكنتُ أوافيه بما أجدهُ مناسباً لمجاميعه تلك، فيأخذ بنسخها علي الفور حال انشغالي بالتنقيب والكتابة والنسخ من مجاميعه. وكان نظره قد بدأ يضعف، حتي فقدَ نظر إحدي عينيه، لكنّه كان يكتب معتمداً علي ما بقي له من النظر معتمداً علي عينه الأخري.

وكثيراً ما كان يردّدُ لي قوله: "ليس علي الله سبحانه وتعالي إستحالة أن يأمر عزرائيل ويقول له: إجعل عمر محمد صادق بحر العلوم مائة وخمسين عاماً"!

ثم يسألني، هل هذا ممكنٌ علي الله أم لا؟

فأقول لهك بالطبع، الله يفعل ما يشاء، ويقول للشيء كُنْ فيكون.

فيؤيد كلامي مرّة أخري بترديد عبارته مرّة أخري، ويقول: حتي أبقي أكتب طوال عمري، ولا أملّ.

كان هذا العالم المسكون بالعلم والأدب والشعر والتاريخ والأنساب وعلم الرجال والحديث والفقه والرواية والنقل عمّن رأي وسمع عن الأعلام لا يستطيع أن يخرج عن دائرته إلي دائرة أخري، أو يبدّل بحالة حالةً جديدة. حتي حينما اضطّر لتولّي منصب القضاء الشرعي الجعفري في محاكم العراق، وإنْ كان من ضمن تخصّصه إلّا انّه لم يستطع البقاء فيه أكثر مما بقي، حتي تركه مع ما تترتب عليه من شؤون معاشية يتلقّاها بعد استيفاء الخدمة راتباً لتقاعده. فقد ترك عمله زاهداً حتي في تدبير أمور معيشته.

حدّثني يوماً أنّه لمّا كان مقيماً بمدرسة "القوام" وكانت تكثر في هذه المدرسة أجناسُ "العقارب" الصفراء والسوداء، لسبته إحدي هذه العقارب بساقه الأيمن، وهو مشغول بكتابة بعض مؤلفاته. فما كان منه إلّا أنْ ربط مكان الجرح، واستمرَّ بالكتابة حتي الصباح.

وعندما سألته عن تأثير السُمّ فيه، أجابني: لم يؤثر شيئاً، لأني كنتُ آكل التمر كثيراً، ولعلّ التمر كان مضاداً من مضادات التسمّم!

وقد شكّل من شدة ولعه بالكتاب مكتبةً ضخمة، مليئة بالمصادر والمراجع القديمة والحديثة، وكان يشتريها من بعض الباعة بالتقسيط، ولم ينقطع حتي في أيامه الأخيرة عن هذه العادة، وإن لم يتمكن من قراءة ما يدخل مكتبته من كتب جديدة.

ومما يُلفتُ النظر أنّه كان يجمع الكثير من "مواد" تأليفه المخطوطة ويشكّل منها مجاميعه (بعدما ينسخها ويضع لها العناوين وغالباً ما يستعمل اللون الأسود والأحمر في كتابتها)، لكنّه يبقي محتفظاً بالمسوّدات القديمة ضمن أكياس صغيرة، يكتب عليها بخط واضح ما يشير الي رقم المجموعة أو الكتاب دون أن يمسّ هذه المسودات بالتلف.

ولم يكن يستطيع في حال من الأحوال أن يُعيرَ كتاباً مخطوطاً أو مطبوعاً لأحد، لكنّه كان يبذل كتبه ومخطوطاته ومجاميعه لكلّ من قصده من الباحثين دون أن يجد في ذلك حراجةً أو تعباً، ما دام قصده نشر العلم والثقافة وإحياء الآثار وأهلها.

ومما حدّثني في بعض زياراتي له أنّ العلّامة المحقق السيد عبد العزيز الطباطبائي قصده، وطلب منه أن يصوّر نسخة من مؤلفه "الدرر البهية في تراجم علماء الإمامية" وهو من خيرة الكتب وأجلّها، لغرض طباعته، فقدّم بحر العلوم النسخة المخطوطة للسيد عبد العزيز، ولم تمضِ ساعات قليلة حتي أُصيب بحر العلوم بالانهيار، وظنّ أنّه فقد شيئاً ثميناً عنده. فنادي ولده السيد مهدي، وأخبره بقصّة الكتاب، فلم يفهم السيد مهدي، بعدما رأي انهيار أبيه النفسي والجسماني، الموضوع، معتقداً أنّ السيد الطباطبائي قد أخذ الكتاب دون علم أبيه، فخرج غاضباً ليعيدَ الكتاب الي مكتبة أبيه. وبعد ساعات طويلة من التفتيش ظفرَ مهدي بالسيد عبد العزيز، وقد كان قد فرغ من تصوير الكتاب لغرض إرجاعه، وكال له الشتائم وطالبه باسترجاع الكتاب، وهدّده إذا لم يفعل، فسيخبرُ عنه دائرة المهجّرين لتسفيره عن العراق لأنه إيراني وليس عراقياً. فلم يردّ العلّامة الطباطبائي عليه، بل أحضر الكتاب الأصل، ونسخته المصوّرة، ووضعها بين يديه. فأخذها السيد مهدي وذهب إلي أبيه فرحاً مستبشراً وأخبره بقصّة تهديده للطباطبائي، فتألم بحر العلوم هذه المرّة، وأخبر ولده أنّ الطباطبائي لم يأخذ النسخة دون علمه، بل هو الذي أعطاها إيّاه لغرض تصويرها وطباعتها، فردّ عليه ولده بقوله: إنك لم تخبرني بذلك. وقد كرّر السيد بحر العلوم هذه الحادثة عليَّ أكثر من مرّة، وكانت قد وقعت منتصف التسعينيات الهجرية، السبعينيات الميلادية.

وشاءت الصدف أنْ التقي بالعلّامة الطباطبائي عند حضوره مؤتمر الغدير عام 1990م، أي بعد عقد ونصف من وقوع هذه الحادثة، وأخبرتهُ بحقيقة ما جري، وتأثّر بحر العلوم مما حصل دون قصد منه، أجابني الطباطبائي بقوله: لو لم يحصل ذلك، لكان الكتاب منشوراً اليوم.

كان بحر العلوم يقول لي: خالي، لا تَقُل لي أنا أحبُّ الكتب، بل أنا عاشق للكتاب، هل تعرف ما معني "العشق"؟

وفعلاً فقد استعرتُ منه أحد مجلدات "نقباء البشر" للشيخ أغا بزرك الطهراني، وهو كتاب مطبوع ومتوفر، لأردّه إليه صباح اليوم التالي، وعندما جئتُ إليه، وجدتهُ في حالة يُرثي لها، وكأنّهُ أُصيبَ بفقد عزيز أو قريب، فقال لي: هل عرفتَ ما أنا عليه من اللوعة، ألم أقل لكَ أني عاشق لكن لا أستطيع التفريط بالمعشوق حتي لو كان كتاباً مطبوعاً ومتوفراً في كلّ بيت؟

وفي بعض زياراتي إلي النجف صحبتُ الشاعر الكبير الحاج صالح الطاهر الحميري، وكان بحر العلوم معجباً بشعره لكثرة ما أقرأ له منه، وقصدنا السيد محمد صادق في دارهن وكانت جلسة فريدة، حيث أنشده الحميري شيئاً من شعره، كما أنشد بحر العلوم مقطوعة مؤثرة له، كان قد أوصي أن تكتب علي كفنه، وعند إنشادها غصّ بحر العلوم في بكائه، ولم يستطع أن يتمّ إنشادها. كان أولها:

بحبّ نبي الوصي وآل طه    ***    سينجيني الإلهُ من العذاب
فلا، وولاهمُ أخشي بيوم    ***    إذا نصب موازينُ الحساب
(عليٌّ) شافعي في يوم حشري    ***                                        

مؤلفاته: وهي كثيرة، منها:
دليل القضاء الشرعي (4 مجلّدات)، الدرر البهية في تراجم علماء الإمامية، المجموع الرائق، الرحيق المختوم فيما قيل في آل بحر العلوم (مجلدان).

وكان له رغبة في كتابة المجاميع، حيث أنجز ما يقرب من أربعة عشر مجموعاً منها: السلاسل الذهبية، واللئالئ المنظومة، والشذور الذهبية.

وقد حقّق مجموعة من الكتب التراثية، منها كتاب سُليم، وتاريخ الكوفة للسيد حسون البراقي، وقد أضاف له إضافات أخرجته عن الأصل، وطُبع بإسم البراقي. وفرق الشيعة للنوبختي، والنقود الإسلامية للمقريزي، وعمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، وكفا الطالب للكنجي، وأنساب القبائل العراقية لجدّي السيد مهدي القزويني والحجة علي الذاهب لفخار بن معد.

وله تعليقات علي جملة من المؤلفات منها: تعليقة علي كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، وأخري علي رسائل الشيخ الأنصاري ومكاسبه، وتعليقة علي كفاية الأصول للأخوند الخراساني مما أُنشدَ منه أنه كتب الي الشاعر محمد صالح بحر العلوم رسالة خطّ في صدرها هذين البيتين بالحبر الأحمر، وكان محمد صالح يومذاك في القاهرة:

هذه حمرة دمعي    ***    وردة وسط الرياضِ
قد بكتكم يوم نبتم    ***    وبكت بعد (رياض)

ومن شعره ما بعثه إلي صديقه المقرّب العلّامة السيد علي نقي النقوي بعد سفرة من النجف الي الهند، وقد جاري بها قصيدة "لستُ أدري" لإيليا أبو ماضي، قال فيها:

قلتُ للقمريّ لما    ***    أن بدا منه النياح
هل كواكَ الشوق مثلي    ***    صرتَ مقصوصَ الجناح
قال في القلب تباريحٌ وهمٌّ لا يُزاح
هل إلي وصل مُني النفس سبيلٌ:
لستُ أدري؟
أنتَ يا من أضرمَ القلبَ بنيران البعادِ
كنتَ لي عضباً يمانيّا ورمحاً للجلادِ
فأنا بعدكَ قد صرتُ أسيراً للأعادي
هل لهذا الأسر فكٌّ وخلاص:
لستُ أدري؟
هلي إلي وصلكَ يا أقصي المني، قُل لي سبيل؟
لأداوي علّتي، أو ينطفي مني الغليل
ويعود الزمنُ الزاهي وماضينا الجميل
باجتماعٍ، أو يري ذاكَ محالاً:
لستُ أدري؟