الكتب

الْجُمْعَة , ٥ ربيع الثاني , ١٤٤٠

عاشت مدينة النجف الأشرف حالة من الإهمال الشديد والمتعمد من قبل الأنظمة التي مرت علي تاريخ العراق مما أدي الي ضياع الكثير من الآثار والمخطوطات المهمة وفي الوقت نفسه كان هناك توجهاً الي نبذ القديم وتركه والتوجه نحو التجديد والحداثة مع نسيان بأنه لا نتيجة للحديث دون الانتباه الي أهمية القديم بالإضافة الي خطورة التمييز بين الحداثة وضياع الهوية وهي المصيبة التي وقع بها مجتمعنا وأمتنا، وأفضل من كتب عن هذا الموضوع هو الأستاذ محمد شعاع فاخر الذي حقق كتاب اليتيمة الغروية والتحفة النجفية للمرحوم السيد حسين البراقي حيث يقول: "إن تحقيق كتب التراث لازم لزوم الفرض، وعلي من أوتي حظاً من ذلك أن يضطلع به لارتباطه بالأمة حاضراً وغابراً ومستقبلاً، والأمة لا تتم نهضتها إلا بإحياء تراثها، لأنه الجزء الأهم المقوّم لذاتها، فإذا تعرّفت عليه، وأماطت عنه غبار الإهمال، فقد تعرّفت علي ذاتها، وحينئذ يستقيم لها النهوض ويستوي لها التقدم. أمّا الأمة التي تترك تراثها لا توليه الأهمية اللازمة، وتريد أن تنهض بميراث غيرها، فهي بمنزلة المقعد الذي يتوكأ علي عكاز غيره، فإن نهوضه كبوة وتقدمه تقهقر، وما هي إلا وكزة ينالها من ذلك العكاز الغريب حتي ينجدل علي الأرض العراء لاصقاً بها لا هو من الأموات ولا من الأحياء.

وبعض الناس اليوم يطالبون بالتحرر ولكن علي هدي الأجنبي، وبالتقدم ولكن بقدمي الأجنبي أيضاً، وهذا مَحق للذات ووأد للصفات وهدر للكرامات، فعلي الأمة أن تبدأ تقدمها من حيث انتهي أوائلها وتنظر في صحيفة ماضيها للتعرف علي مواريثها ثم تأخذ منها قوة الدفع لحاضرها، ولا تجعل من تلك المواريث قيوداً تعيق تقدمها، إذ ليس كل ما يدخل تحت هذا المفهوم يفيد في التطور والتقدم، فلابد من الانتقاء واختيار ما ينفع وترك ما لا ينفع فيه للاعتبار علي أن يبقي في حوزة الأمة تستفيد منه أيضاً بتلمّس الخطأ فيه لتجنبّها في مستقبل أيامها" (1).

ونتيجة لهذا فقد تأسس مركز تراث السيد بحر العلوم في عام 2005، وذلك من خلال البدء بعملية إحياء تراث العلامة السيد محمد مهدي بحر العلوم وأسرته متمثلة بآبائه وأبنائه ومتعلقيه ومن ثم التطرق إلي أعمال أساتذته وتلاميذه، لأن الغرض علي المستوي البعيد ليس إحياء تراث الأسرة فحسب، بل محاولة نشر الآثار التي اندثرت في مدينة النجف علي مرّ السنين والتي باتت الحاجة الي احيائها ماسة في يومنا هذا، لأنها تعكس مدي التطور العلمي والثقافي لتلك المدينة وأثرها في نشر الوعي في تلك المنطقة. فالمشروع وكما ذكرنا لا يشمل فقط طبع المخطوطات بل يضم إعادة طبع المطبوعات القديمة لمؤلفات الأسرة وغيرهم ليشمل أساتذتهم وتلاميذهم من العلماء حيث ان تلك الفترة كانت تمثل العصر الذهبي لمدرسة النجف العلمية، عصر ازدهار الدراسة والبحث العلمي وعصر تخرج فحول وأساطين المذهب.

وقد تجلي عمق الخسارة بفقدان الكم الهائل من الآثار العلمية والكتب المهمة بعد سقوط الصنم حيث كان حرق وسرقة المكتبات الشغل الشاغل للنظام البائد وزمرته ونتيجة لذلك فقد ضاعت الكثير من المخطوطات والمؤلفات المهمة ليس من مكتبات النجف فحسب بل من مكتبات العراق ككل وعلي أثر ذلك تم التوجه من قبل مركز التراث الي محاولة طبع وتنقيح ما تبقي من تلك الكتب أو علي الأقل توثيقها من خلال جمع وتجليد ما يمكن العثور عليه وحفظه في مقرات المركز سواء في مدينة النجف الأشرف أم في مدينة قم المقدسة.

وبما ان ما لا يدرك كله لا يترك جله والمشروع ضخم والإمكانات محدودة، لذا آثرنا البدء بمجموعة أسرة السيد ومتعلقيهم علي أن ننطلق مستقبلاً في مشروعنا الكبير آملين المساعدة ممن يتمكن من ذلك، والتوفيق والتسديد من المولي جل وعلا إنه نعم المولي ونعم النصير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدمة اليتيمة الغروية.